تجربة ذهنية: أعطِ الرقم نفسه لأربعة أشخاص — مسوّق، ومعلّم، وصحفي، وباحث — واطلب من كلٍّ منهم أن يصمّم به لوحة واحدة. ستعود إليك أربع لوحات مختلفة في العنوان، وفي الرسم، وفي ما تذكره وما تسكت عنه، وفي الشعور الذي تتركه. البيانات واحدة، والمجال هو الذي يكتب اللوحة.
حين يقول أحدهم «أتقنتُ الإنفوجرافيك» فهو غالبًا يعني أنه أتقن مجالًا واحدًا منه. المهارات التقنية مشتركة — اختيار الرسم، التسلسل البصري، اللون، الطباعة — لكن العقد الأخلاقي مع القارئ يختلف اختلافًا جذريًا من مجال إلى آخر، ومعه تختلف كل قرارات التصميم تقريبًا.
ثلاثة محاور تفرّق المجالات
- الهدف — التسويق يريد فعلًا (اضغط، اشترِ، سجّل). التعليم يريد فهمًا يبقى بعد أسبوع. الصحافة تريد إعلامًا دقيقًا في وقت قصير. العلم يريد إثباتًا يصمد أمام المراجعة.
- الوقت المتاح — منشور تسويقي يمرّ عليه القارئ في ثانيتين على هاتفه. صفحة في كتاب مدرسي يجلس معها الطالب ربع ساعة. الفارق وحده يقلب كثافة المعلومة رأسًا على عقب.
- ما يُعاقَب عليه — المسوّق يُعاقَب على الملل، والصحفي على الخطأ، والباحث على المبالغة، والمعلّم على الغموض. صمّم وأنت تعرف أي عقوبة تتجنّب.
مختبر: حقيقة واحدة بأربع لغات
أمامك حقيقة واحدة ثابتة. بدّل بين المجالات الأربعة، واقرأ في كل مرة: العنوان، والرسم، وما أُضيف وما حُذف. ثم اقرأ خانة «ما الذي تغيّر» و«الخط الأحمر» أسفل كل لوحة.
ما يتغيّر في التصميم نفسه
الاختلاف بين المجالات لا يبقى في مستوى النبرة، بل ينزل إلى تفاصيل تنفيذية ملموسة. كثافة المعلومة ترتفع كلما زاد وقت القارئ: لوحة التسويق تحتمل فكرة واحدة، والصفحة العلمية تحتمل عشرين رقمًا. وحجم الخط الأدنى يتحدد بالوسيط لا بالذوق: ما يُقرأ على هاتف في الشارع ليس كما يُقرأ على ورقة مطبوعة بين يدي قارئ جالس. وعدد الألوان يتقلّص كلما زادت رصانة المجال، حتى تصل التقارير الرسمية إلى لون واحد ودرجاته.
وهناك تفصيل يخصّ العمل العربي تحديدًا: طول العبارة. اللغة العربية تميل إلى جمل أطول من الإنجليزية في الترجمة الحرفية، والقوالب الجاهزة مصمّمة لعبارات إنجليزية قصيرة. النتيجة نصوص تفيض عن حدود العناصر أو تُصغَّر حتى تختفي. اكتب عربيتك أولًا، ثم صمّم المساحة على مقاسها — لا العكس. وفي التسويق تحديدًا، العبارة القصيرة البليغة بالعربية أقوى أثرًا من ترجمة دقيقة طويلة لعبارة أجنبية.
ما وراء الأربعة
هذه المجالات الأربعة هي الأكبر، لكن الطلب الحقيقي في السوق العربي يتوزّع أيضًا على مساحات أخرى لها قواعدها: التقارير الحكومية والسنوية التي تحتاج رصانة وتوحيدًا للهوية عبر مئة صفحة، والعروض الاستثمارية التي تختصر نموذج عمل كامل في شريحة واحدة تُقرأ في اجتماع قصير، والاتصال الداخلي في المؤسسات — لوحات السلامة وأدلة الإجراءات — حيث الوضوح مسألة تشغيلية لا جمالية. وفي كل واحدة منها ينطبق السؤال ذاته: من القارئ؟ وما القرار الذي سيتخذه بعد النظر؟
الخطأ الأخطر: نقل لهجة مجال إلى مجال آخر. حين يُصمَّم خبر صحفي بلغة إعلان — عنوان صادم، رقم ضخم بلون ناري، حذف السياق — فهذه ليست «حيوية» بل تضليل، ولو كان كل رقم فيه صحيحًا. والعكس صحيح: حين يُصمَّم إعلان بحذر ورقة علمية — فترات ثقة وتحفّظات ومنهجية — فلن يقرأه أحد. ولأن الأدوات واحدة، يسهل جدًا أن تنزلق دون أن تنتبه. اسأل نفسك قبل التسليم: بأي مجال سيصنّف القارئُ هذه اللوحة؟ وهل أنا ملتزم بعقده؟
في الدروس الثلاثة الماضية تحدثنا عن «ما» و«متى» و«أين». الدرس القادم يجيب عن «لماذا» — وينزل إلى الطبقة التي تحكم كل ما سبق: كيف يعمل نظامك البصري فعلًا. وسنختبره عليك مباشرةً بتجربتين قصيرتين ستُظهران لك حدودًا في إدراكك لم تكن تعرف أنها موجودة.